محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
87
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - فاحذر يا أخي ممن كان هذا وصفه ، وفرّ من مجالسته فرارك من السبع الضاري ، جعلنا اللّه تعالى وإيّاكم من المصدّقين لأوليائه ، المؤمنين بكرامتهم بمنّه وكرمه ، آمين . الباب الثاني في صفاتهم وما أعدّ اللّه لهم من الفضل الجميل والأجر الجزيل : قال ربّنا سبحانه وتعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ [ يونس : 62 ] : أي الذين يتولونه بالطاعة ، ويتولاهم بالكرامة ، ولا خوف عليهم من لحوق مكروه ، ولا هم يحزنون فوات مأمول ، والآية كمجمل فسّره قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ يونس : 63 ] . قال الواحدي في « الوسيط » : قال الأزهري : اتفق العلماء أن الإيمان معناه التصديق ، كقوله تعالى : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [ يوسف : 17 ] : أي بمصدّق لنا ، ومعنى التصديق هو اعتقاد السامع صدق المخبر فيما يخبر . فمن صدّق اللّه تعالى فيما أخبر به في كتابه وصدّق الرسول فيما أخبر معتقدا في القلب تصديقهما فهو مؤمن . ومعنى الاتقاء في اللغة : الحجز بين الشيئين ، يقال : اتقاه بترسه : أي جعل الترس حاجزا بينه وبينه ، ومنه : التقية في الدين يجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه ، ومنه الحديث : « كنّا إذا احمرّ البأس : أي اشتدت الحرب اتقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فكان أقربنا إلى العدوّ » . فالمتقي هو الذي يتحرّز بطاعته عن العقوبة ، ويجعل اجتنابه عمّا نهي عنه ، وفعله ما أمر به حاجزا بينه وبين العقوبة التي توعّد بها العصاة . قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ يونس : 64 ] ، وهو ما بشّر به المتقين في كتابه ، وعلى لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم وما يريهم في الرؤية الصالحة ، وما يسنح لهم من المكاشفات ، وبشرى الملائكة عند النزع ، وفي الآخرة بتلقي الملائكة إيّاهم مسلمين مبشّرين بالفوز والكرامة . ومحل الذين آمنوا النصب أو الرفع على المدح ، أو على وصف الأولياء أو الابتداء وخبره : لَهُمُ الْبُشْرى ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ [ يونس : 64 ] ، لأقواله ، ولا إخلاف لمواعيده ، ذلك إشارة إلى كونهم مبشّرين في الدارين ، هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . هذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقّق المبشّر به ، وتعظيم شأنه ، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله ، كذا ذكره البيضاوي . وعن أبي مالك الأشعري رضي اللّه عنه أنه قال : كنت عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم إذ قال : « إنّ للّه تعالى عبادا ليسوا بأولياء ولا شهداء يغبطهم النبيّون والشهداء بقربهم ومقعدهم من اللّه تعالى يوم القيامة ، فقال أعرابيّ : حدّثنا يا رسول اللّه من هم ؟ فقال : « هم عباد من عباد اللّه من بلدان شتّى لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ، ولا دنيا يتباذلون بها ، يتحابّون بروح اللّه ، يجعل اللّه وجوههم نورا ، ويجعل لهم منابر من نور قدّام عرش الرحمن ، يفزع الناس ولا يفزعون ، ويخاف الناس ولا يخافون » . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « أحبّ العباد إلى اللّه تعالى الأتقياء ، الأسخياء ، الأخفياء : ( أي المبالغين في ستر عبادتهم ، وتنزيهها عن شوائب الأغراض الفانية ، والأخلاق الدنيّة ) الذين إذا غابوا لم يفقدوا وإذا -